تُعد الهند واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وهي تشهد تحولاً سريعاً لتصبح من الدول البارزة في دفع النمو الاقتصادي العالمي. وخلال الفترة من عام 2000 إلى عام 2025، والتي شملت سنوات الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19، بلغ متوسط النمو الاقتصادي لهذا البلد الكبير في جنوب آسيا 6.3%. وقد أدى هذا الأداء المستمر إلى صعود الهند لتصبح خامس أكبر اقتصاد في العالم، حيث تمثل 8.5% من الاقتصاد العالمي.
نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للهند بأكثر من 7% في السنة المالية 2025-2026، مما عزز مكانتها كأسرع الاقتصادات الكبرى نمواً في العالم للسنة الرابعة على التوالي. وبالنظر إلى حجم الاقتصاد الهندي، فإن معدل النمو البالغ 7% يضيف 0.6 نقطة مئوية إلى النمو العالمي، ما يعني أن الهند ستساهم بنسبة كبيرة تبلغ 3.0% من النمو العالمي المتوقع لعام 2026.
تدخل الهند السنة المالية 2026-2027 بتوقعات نمو قوية، إذ تشير المؤشرات عالية التواتر إلى استمرار الزخم. إلا أن هذا الأداء القوي بات مهدداً في الآونة الأخيرة باحتدام الصراع في منطقة الشرق الأوسط، الذي يضفي حالة من عدم اليقين على التوقعات الاقتصادية الكلية للهند. في رأينا، سيظل أداء الاقتصاد الهندي قوياً رغم هذه التحديات. وفي هذه المقالة، نناقش ثلاثة عوامل رئيسية تدعم زخم النمو في الهند.
أولاً، لا يزال الاستهلاك الخاص الركيزة الأساسية لنموذج النمو في الهند، فهو يُعتبر عامل استقرار في ظل بيئة عالمية غير مستقرة. وقد واصل إنفاق الأسر، الذي يمثل أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي، نموه بوتيرة ثابتة، مدعوماً بتحسن أوضاع سوق العمل وانخفاض معدلات التضخم، مما أدى إلى ارتفاع الدخل الحقيقي. وتشير المؤشرات عالية التواتر، بما في ذلك مبيعات السيارات ونشاط التجزئة، إلى استمرار مرونة الاستهلاك على الرغم من بعض التباطؤ. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن يظل الاستهلاك الخاص الركيزة الرئيسية للنمو في الهند خلال السنة المالية 2026-2027، مما يعزز مرونتها الاقتصادية الشاملة.
ثانياً، يعزز الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتعافي التدريجي في الإنفاق الرأسمالي بالقطاع الخاص دور الاستثمار في دعم آفاق النمو الإيجابية في الهند. فقد تعافى الاستثمار، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من أدنى مستوياته التي بلغها في أعقاب الأزمة المالية العالمية وخلال جائحة كوفيد-19، ومن المتوقع أن يظل أعلى من 30% على المدى المتوسط.
أما في القطاع العام، تواصل الحكومة إعطاء الأولوية للإنفاق الرأسمالي، حيث يتراوح الإنفاق على البنية التحتية بين 3% و3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن ينمو بمعدلات تتجاوز 10% في السنة المالية 2026-2027. ولا يؤدي هذا الأمر إلى توفير دفعة مباشرة للطلب الكلي فحسب، بل يعمل أيضاً على "حشد" عدد كبير من التأثيرات التي تحفز الاستثمارات الخاصة الإضافية من خلال تحسين الترابط وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، وتعزيز الإنتاجية الإجمالية. في الوقت نفسه، يكتسب الاستثمار الخاص مزيداً من الزخم، إذ يُتوقع أن يبلغ نمو الاستثمار الثابت حوالي 6 إلى 7% في عام 2026، مدعوماً بتحسن الميزانيات العمومية للشركات ونمو الائتمان. ونتيجة لذلك، يُتوقع أن يكون للتأثير المشترك الناتج عن زيادة الإنفاق على البنية التحتية العامة وانتعاش الاستثمار الخاص دوراً محورياً في دعم زخم النمو في الهند على المدى المتوسط.
ثالثاً، تعزز بيئة التضخم المواتية والسياسة النقدية الداعمة ديناميكيات النمو في الهند. فقد بلغ متوسط التضخم الرئيسي أقل من 3% في الفترة بين عامي 2025 و2026، وهو لا يزال أقل بكثير من نقطة المنتصف المستهدفة من قِبل بنك الاحتياطي الهندي البالغة 4%، ويُعتبر ضمن النطاق المقبول الذي يتراوح بين 2% و6%. وقد أتاحت بيئة التضخم المواتية هذه لبنك الاحتياطي الهندي المجال لتنفيذ تخفيضات تراكمية في أسعار الفائدة بمقدار 125 نقطة أساس في عام 2025، ليصل سعر الفائدة الرئيسي إلى 5.25%، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2022. وعلى الرغم من أن البنك المركزي قد أوقف التيسير النقدي مؤقتاً في اجتماعاته الأخيرة لتقييم المخاطر الناشئة، إلا أن الأوضاع النقدية لا تزال داعمة بشكل عام، مع استمرار انخفاض أسعار الفائدة على القروض وتزايد نمو الائتمان. ونتيجة لذلك، يستمر التأثير المشترك لانخفاض التضخم والأوضاع النقدية الداعمة في الإسهام بشكل رئيسي في دعم الطلب المحلي.
إجمالاً، تدخل الهند السنة المالية 2026-2027 بزخم نمو قوي، مدعوماً بارتفاع الطلب المحلي، والحملة الاستثمارية المتواصلة، والأوضاع النقدية المواتية. ورغم أن المخاطر الخارجية - لا سيما تلك الناتجة عن أسعار الطاقة والوضع الجيوسياسي - قد تؤثر على التوقعات، فمن المتوقع أن تحافظ الأسس الاقتصادية المحلية المتينة على النمو عند مستوى يتجاوز 6%، مما يعزز مكانة الهند كواحدة من أسرع الاقتصادات الرئيسية نمواً على مستوى العالم.
يمكنك أيضاً تنزيل نسخة PDF من التقرير عربي و English